أحمد مصطفى المراغي

8

تفسير المراغي

( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ ) أي نخص برحمتنا من إعطاء الملك والرئاسة والغنى والصحة ونحوها من نشاء من عبادنا ، بمقتضى ما وضعنا من السنن في الأسباب الكسبية مع موافقتها للأحداث الكونية ، ومراعاة النظم الاجتماعية ، والفضائل الخلقية . ( وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) أي ولا نضيع أجر من أحسنوا في أعمالهم بشكران هذه النعم ، بل نأجرهم عليها سعادة وهناءة ، وقد بذلنا تلك النعم لمن يطلبها متى أتى الأمور من أبوابها ، وسار على مقتضى السنن التي وضعناها . أما من يسيئون التصرف فيها فتصيبهم المنغّصات ، وتتوالى عليهم المكدّرات ؛ فالمسرفون لا يلبثون أن ينالهم الفقر والعدم ، والظالمون يثيرون أضغان المظلومين ، وذوو الخيلاء والبطر يكونون محتقرين ، وقلما يصيب المحسنين الشاكرين من ذلك شئ وإن نالهم منه شئ يكن هيّنا عليهم وهم عليه صبر . وفي الآية إيماء إلى أنه ما أضاع صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز بل كان جزاؤه ما مكّن له في الأرض ولدي ملك مصر : ( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) أي إن أجر الآخرة وهو نعيمها يكون للمؤمنين المتقين ، وهو خير لهم من أجر الدنيا لأهلها وإن بلغوا سلطان الملك ، فإنّ ما أعده لأولئك ليتضاءل أمامه كل ما فيها من مال وجاه وزينة ، ولا شبهة في أن من يجمعون بين السعادتين يكون فضل اللّه عليهم أعظم ، إذ هم أعطوا حقها من الشكر وقاموا بما يجب عليهم نحو خالقهم من طاعته وترك معصيته . روى الشيخان عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : « قال فقراء المهاجرين للنبي صلى اللّه عليه وسلم يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور ( واحدها دثر بالفتح : المال الكثير ) بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، قال ما ذاك ؟ قالوا يصلّون كما نصلى ويصومون كما نصوم ويتصدقون كما نتصدق ويعتقون ولا نعتق ، قال صلى اللّه عليه وسلم : أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم ، إلا من